ابن حمدون
130
التذكرة الحمدونية
له داود : فرغت من كلامك ؟ قال : نعم ، قال : أما لو كان خيرا ما سبقتني إليه . « 275 » - وكان أبو جعفر المنصور شديد السطوة سريع الانتقام ، وعدّت له فعلة كريمة في العفو ، روي أنه خطب فقال : الحمد للَّه أحمده وأستعينه ، وأومن به وأتوكَّل عليه ، وأشهد ألا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له ، واعترضه معترض عن يمينه فقال : أيها الإنسان ، أذكَّرك من ذكَّرت به ، فقطع الخطبة وقال : سمعا سمعا لمن حفظ اللَّه وذكَّر به ، وأعوذ باللَّه أن أكون جبّارا عنيدا ، وأن تأخذني العزة بالاثم ، قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ؛ وأنت أيها القائل فو اللَّه ما اللَّه أردت بها ، ولكنك حاولت أن يقال : قام فقال فعوقب فصبر ، وأهون بها ويلك لو هممت ، وأهيب لها إذ عفوت ، وإياكم معشر الناس مثلها ، فإن الحكمة علينا نزلت ، ومن عندنا فصلت ، فردّوا الأمر إلى أهله يوردوه موارده ويصدروه مصادره ، ثم عاد في خطبته كأنما يقرأها من كفّه : وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . « 276 » - جرى بين أبي مسلم صاحب الدعوة وبين شهرام المروزي كلام ، فسبّه شهرام ، فحلم عنه أبو مسلم وقال : لسان سبق ووهم أخطأ ، والغضب غول الحلم ، وأنا قسيمك في الذنب حين جرّأتك بالحلم والاحتمال ، فأشفق شهرام فاعتذر وأطنب ، فقال أبو مسلم : قد صفحت عنك فليفرخ روعك ، فقال شهرام : إن ذنبي يأبى أن يقارّ قلبي السكون ، فقال أبو مسلم : إن العجب أن تسيء وأحسن ، ثم تحسن وأسيء ، فقال : الآن وثقت بعفوك .
--> « 275 » عين الأدب والسياسة : 181 ونثر الدر 3 : 88 . « 276 » المحاسن والأضداد : 18 والبيهقي : 380 وربيع الأبرار 1 : 757 وقارن بعيون الأخبار 3 : 106 والعقد 2 : 164 والشهب اللامعة : 17 .